محنة غرداية

المحنة الأخيرة في غرداية رفعت من معنوياتي بقدر ما آلمتني، حيث كشفت عن مدى اللُحمة في صفوف الجزائريين من شتى الطوائف والأعراق. ففي حين حاول آخرون الاصطياد في المياه العكرة كما عبر عنها البعض، خرج الإخوة المالكية والإباضية (بني مزاب) بمصالحة حكيمة ربما عادت بوِداد فاق ذلك الذي كانت عليه الأحوال قبل وقوع الفتنة.
وهذه المعركة على كل حال ليست فريدةً من نوعها، فهي ليست سوى محاولة جديدة فاشلة للإيقاع بالجزائر في هوة الفتن الطائفية، قامت قبلها محاولات شبيهة ساذجة للإيقاع بين العرب والأمازيغ مثلاً، رأيتها في مواقع التواصل الاجتماعي كثيراً، فتارة تنجح في إشعار شرارة تهدأ سريعاً، وتارة لا تحدث حتى شرارة صغيرة تستأنس بها. كل تلك المحاولات وُئدت حيث وُلدت، ونُسيت حيث وُئدت.

ويبدو بأن إشعال مثل هذه الفتن في الجزائر بمثل هذه الطرق لن يؤتي نتيجة تزيد على شرارة ما تلبث أن تنطفئ وتبرد لسببين في نظري أولهما هو إجماع كافة الجزائريين على كره عدوٍ غاصِب وبغض كل ما يتصل به. فالجزائري في العادة منشغل عن هذه الفتن بعدائه لعدوٍ وحيدٍ، يعرف وجهه جيداً، ويلعنه كلما وقع قلمه أو عثرت قدمه أو انسكبت قهوته. أرى بأن معرفة الجزائريين لعدوهم هي أحد أهم أسباب الوِحدة رغم اختلاف أطياف الشعب، أعراقهم ومشاربهم. إن ذلك العداء المشترك الذي يكنه كل عربي وأمازيغي، سلفي، ومالكي، وإباضي وصوفي في قلبه للمحتل الإسرائيلي في الأراضي المقدسة يصرفهم بلا شك عن العداءات المُختلقة الجانبية.

أما ثاني أسباب فشل استمرار الفتن الطائفية في نظري فيعود إلى تجانس الشعب. فالجزائر على الرغم من احتضانها لعدد كبير من الأعراق المختلفة منذ قرون، فإن هذه الجماعات انصهرت كلها مع الفتح الإسلامي تحت راية واحدة وانتماء وحيد هو الإسلام. ساعد في ذلك اختلاط الأعراق نتيجة للتزواج بينها، ذلك جعل من الصعب التفريق أو الجزم بأن فلان من عرق فلاني خالص. والدليل على ذلك أن أُطلِق مصطلح تاريخي خاص بهذا الخليط المتجانس من الأعراق وهو “شعوب المور، أو الموريين” الذي يشير إلى الشعوب المغاربية الأمازيغية والأوروبية التي تسكن شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. دلّ ذلك على شدة تجانس هذه الجماعات، ولو كانت الأعراق في الجزائر أقل اختلاطاً، لربما كان إشعال الطائفية بينها أكثر سهولة.

 index2.php

أضف تعليق